عبد العزيز كعكي
344
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
أهل المدينة يشكون من تضررهم عند هجوم عربان الفساد في أطراف المدينة ونهبهم ما يجدون ، ثم لما كثر الفساد والتخطف من عربان عنزة وظفير وغيرهم من طوائف العربان المحيطة بالمدينة المشرفة ، وصاروا في غالب الأوقات يهجمون ويتخطفون ما وجدوه من غير مانع ولا مدافع ، فإن أمراء المدينة في زمننا الذي أدركناه وما قبله في فئة قليلة من العسكر لضيق البلد عن كلفة الخيل والرجال ، ولقلة محصولهم وراتبهم فلذلك لا يستطيعون الدفاع إلا بما تيسر دفعه ، ولما بلغ مولانا السلطان سليمان نخبة بني عثمان ما فيه جيران المصطفى - عليه الصلاة والسلام - من شديد المشاق ، واستيلاء أذى العربان على ما هنالك ، برزت أوامره الخند كارية ببناء سور كبير عال مانع محيط بالمدينة من جميع جهاتها يمنع أهل الفساد والأذى عن تعرضهم لساحاتها ، فبادر نائبه بالديار المصرية سليمان باشا للاهتمام في عمل ذلك وإتقانه ، وشرع فيما فيه حمى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وجيرانه ، فعمل هذا السور الذي بها الآن وأتقن صناعته وعلت حيطانه ومكانته ، وجعلت أبوابه محكمة البناء عالية بأبراج ترمي أحجار المدافع من قصد تلك البقعة الشريفة بسوء أو مضار ، ثم بنى الحصار المتصل بهذا السور ، ورتب للإقامة به أمير دزدار كناية عن نائب الحصار ، وجماعة من الانكشارية نحو التسعين نفرا ببنادقهم لحراسة هذا المحل ، ولا يغيبون ولا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا ولا ربيعا ولا خريفا ، ورتب لهم ولكبيرهم ما يكفيهم من الجرايات والمصروف ، وجعل مفاتيح أبواب البلد تحت يد نائب القلعة ، فصارت المدينة الشريفة في حصن حصين وفي حرز أمين ، وكان الابتداء في بناء السور المذكور هندسة المعلم علي بن الصياد المهندس في سنة ست وثلاثين ، والانتهاء منه ومن قلعته ، ومن جهاته في سنة خمس وأربعين وتسعمائة ولاية داود باشا . ولعمري لقد منح الله مولانا السلطان هذا العمل السديد ، كما أعد له على ذلك جزيل الثواب المديد المزيد ، فلقد حصل لهذا الحمى الشريف غاية العزة والمنعة ، كما أسست على تقوى من الله ورضوان هذه البقعة ، وأمنت ببنائه جيران الحضرة الشريفة ، من كل مكروه وضرر وخيفة ، ثم استجد بعد ذلك المرحوم داود باشا سبيلا حسن البناء واسع الفناء خارج السور المذكور ) « 1 » . وهنا يلاحظ أن التاريخ الذي أورده المؤرخ لبداية عمارة السور في عصر السلطان سليمان وكذلك تاريخ انتهاء عمارته فيه بعض الاختلاف عما سبق أن أشار إليه معظم المؤرخين ، فقد ذكر أن تاريخ بداية العمل في عمارة السور كان
--> ( 1 ) « درر الفوائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة » - الشيخ عبد القادر الأنصاري الجزري - ص 641 - 642 .